التمكين

لما كان إجماع الفقهاء منعقداً على أن غلبة الظن بدخول وقت الصلاة شرط من شروط صحتها ، أضاف مصدرو المواقيت بضع دقائق ثابتة على المواقيت المحسوبة ، سموها بالتمكين ، لجبر بعض العوامل التي تؤثر على مطابقة رؤية الراصد العينية لنتائج الحسابات ؛ إذ أنّا متعبدونا بالرؤية العينية لعلامات دخول أوقات الصلوات المختلفة ، لا بما توصل إليه العلم من حسابات أسبابها فقط ، وإن بلغت من الدقة ما لا يتيح مجالاً للشك فيها على الإطلاق.

ولكن الرؤية البصرية ، كما هو معلوم ، تتأثر بعوامل كثيرة تجعلنا نرى الأجرام في مواقع مغايرة لموقعها الحقيقي الفيزيائي الموجودة فيه، فأنت إن أردت التقاط حجر من بركة ماء فلن تجده في الموقع الذي تراه فيه ، لأن الإدراك البصري يتأثر بانكسار الضوء ، وانكسار الضوء يتأثر بزاوية النظر وباختلاف المادة التي يمر من خلالها وما إلى ذلك من مؤثرات… ، فحسابنا لوقت غياب الحافة العليا للشمس في مكان ما لا يعني أبداً أنها قد غابت بصرياً في هذا الوقت ، ما لم نأخذ جميع العوامل المؤثرة على الرؤية البصرية بعين الاعتبار ؛ الأمر الذي يدعونا ، لضمان الدقة ، إلى ضرورة الأخذ بحسابات التمكين المؤثرة على كل مكان بعينه ، فإضافة بضع الدقائق بالإجمال على الوقت المحسوب لكل المواقع الجغرافية هو حل يقع بين الإفراط والتفريط.

وحسابات التمكين هذه ، من غير خوض في تفاصيلها ، منها ما يصحح الحساب الهندسي البحت ، ومنها ما وظيفته تصحيح الحساب حتى يطابق الرصد ، ومنها ما لا غنى لنا عنه عند إصدار مواقيت للمدن الكبيرة الممتدة شرقاً وغرباً ، فيتحتم علينا هنا على سبيل المثال أن نثبت وقت الغروب الذي تغرب فيه الشمس في آخر نقطة في المدينة ؛ فنراعي لأجل ذلك اتساعها والمرتفعات الطبيعية الموجودة فيها ؛ لضمان وقت غروب حقيقي لكل سكان هذه المدينة أين كان موقعهم فيها ، لذا من المفضل في هذه الحالة ؛ لضمان الدقة ، أن تُصدر مواقيت لكل حي من أحياء المدن الكبيرة وإن كثرت وتعددت ؛ ليأخذ كل ساكن حي بمواقيت حيه.

وأهم حسابات التمكين بالإجمال هي:

  • اعتبار سطح الأرض لا مركزها الأساس في حساب موقع الشمس (التزيح أو اللوص الأفقي):

الحسابات الرياضية الهندسية تعتبر الكرة الأرضية نقطة في هذا الكون ؛ فإن لم يُؤخذ نصف قطر الكرة الأرضية بعين الاعتبار ، فسيتم حساب موقع الشمس بالنسبة لمركز الأرض لا لسطحها ، لذا يجب اعتبار التزيح ، وإن قل تأثيره ، لضمان دقة الحساب.

  • اعتبار حافة الشمس العليا لا مركز الشمس (نصف قطر الشمس الظاهري):

الحسابات الرياضية الهندسية تعتبر الشمس أيضاً نقطة في هذا الكون ، إلا أن وقوع مركزها هندسياً على خط الأفق لا يعني غيابها بالمعنى الشرعي ، فغياب الشمس شرعاً هو وقوع حافتها العليا تحت الأفق ؛ فلا مفر هنا ، لضمان الدقة ، من أخذ نصف قرص الشمس الظاهري بعين الاعتبار في حساباتنا.

  • انكسار الضوء:

تتعرض أشعة الشمس قبل أن تصل إلينا عبر الغلاف الجوي إلى انكسارات متتابعة مما يؤدي إلى رؤيتها أعلى من موقعها الحقيقي ، وبما أن الحسابات الهندسية لموقع الشمس تعطينا الموقع الحقيقي لا الظاهري للشمس ، وجب لتحري الدقة أخذ هذا العامل بعين الاعتبار ، وبالتأكيد إذا علمنا أن تأثيره يكون أكبر ما يكون عند حساب وقتي الشروق والغروب.

ويؤثر على انكسار أشعة الشمس في طبقات الجو عوامل كثيرة متغيرة القيمة ؛ منها درجة الحرارة واختلافها في طبقات الجو ، وكذلك نسبة الرطوبة والتلوث فيها ، اللذان يؤثران على شكل الانكسار أو نوعه ، وكذلك الضغط الجوي… وما إلى هنالك من مؤثرات ؛ وبما أن قيم جميع تلك العوامل متغيرة يتحتم علينا اختيار القيم المناسبة لها في كل مكان ، وكذلك أن نولي عنايتنا بتحديث معدلاتها السنوية المعتمدة تقريباً في كل المواقيت ؛ فلم يعد ما يعتمد منها منذ عقود صالحاً لأيامنها الحالية.

  • معادلة الزمن وميل محور الأرض:

من المعلوم أن حساب موقع الشمس مرتبط بحساب ميل محور الأرض ومعادلة الزمن ، وبما أن هاتين القيمتين تتغيران خلال اليوم الواحد ، فلابد لتحري الدقة من الاختيار الأنسب لقيمتيهما عند حساب مواقيت الصلوات المختلفة ، وبالخصوص لوقت صلاة الفجر.

  • تضاريس البلدة وحدودها الجغرافية:

من المعلوم أن حسابات مواقيت الصلاة تعتمد اعتماداً كلياً على إحداثيات المدينة ، والإحداثيات المتوفرة لدينا للمدن المختلفة إنما تدل على نقطة معينة داخل هذه المدينة ، إلا أننا في الواقع العملي لا نحسب المواقيت لهذه النقطة بل للمدينة بأكملها ، فلتحقيق الدقة يجب علينا مراعاة امتداد المدينة في جهاتها الأربع عن هذه النقطة ، كما أن من المعلوم أيضاً أن ارتفاع المكان عن سطح البحر يؤثر تأثيراً  كبيراً على دقة الحساب ، فيجب علينا لضمان الدقة مراعاة الارتفاعات المختلفة في المدينة الواحدة ، ففي كثير من المدن حتى الصغيرة منها قد تبلغ الفروق بين ارتفاع بعض أحيائها مئة متر أو أكثر ، فيجب لضمان الدقة تحديد ارتفاع أفق المدينة ، ومدى رقعته من حيث التأثير ، ثم دراسة المرتفعات الطبيعية ومدى تأثير ارتفاعاتها عن أفق المدينة ، وهل هي مرتفعات مأهولة تؤخذ بعين الاعتبار أم أنها غير ذلك فيمكن إهمالها حتى حين ، فلا يكفي كما هو معمول به في معظم المواقيت أن نأخذ ارتفاع إحداثيات المدينة المتعارف عليها ونهمل باقي الارتفاعات ، ولا بأس أيضاً إن نوه مصدرو المواقيت أيضاً إلى فروق التوقيت لساكني المرتفعات غير الطبيعية كالأبراج العالية وناطحات السحاب فكل ذلك أضحى اليوم ممكناً وميسوراً.

مدى تأثير الارتفاع على مواقيت الصلاة

من المعلوم بداهة أن ارتفاع مكان الرصد يزيد من امتداد الأفق المرئي ؛ فيرى الناظر فوق منارة مرتفعة ما لا يستطيع الناظر في أسفلها رؤيته ، وتؤثر الزيادة في الارتفاع بصورة رئيسة على موعد شروق الشمس فتبكره ، وعلى موعد غروبها فتؤخره ؛ ولبيان مدى التأثير وأهميته أعرض ما يلي:

الجدول التالي يبين امتداد الأفق المرئي لبعض المرتفعات:

الجدول السابق بين لنا امتداد الأفق المرئي بالأمتار ، ولكن المهم في مبحثنا أن نتعرف على مدى تأثير الارتفاع بالدقائق على أوقات الصلاة ، وهل هذا التأثير ثابت في كل مكان وعلى مدار فصول العام؟

للإجابة على هذه الأسئلة أعرض الجدول التالي الذي عرضه الأستاذ محمد شوكت عودة في مقطع مرئي له على اليوتيوب يبين فيه مدى تأثير الارتفاع بالدقائق الزمنية على مواقيت الصلاة:

نقرأ من الجدول السابق أن موقع المدينة الجغرافي وفصول العام لهما تأثيرهما الكبير على غروب الشمس ، لا سيما أننا نتكلم على حساب المواقيت في خطوط العرض العليا ؛ هذا يجعلنا نؤكد على ضرورة حساب الدقائق المؤثرة لكل مكان بعينه على اختلاف الفصول ، لا أن نمكن غروب الشمس مثلا بدقائق ثابتة تضاف لكل المدن على اختلاف موقعها واختلاف فصول العام.

مدى تأثير امتداد المدن على مواقيت الصلاة

يختلف تأثير امتداد المدن على مواقيت الصلاة باختلاف موقعها الجغرافي وباختلاف فصول العام ، كما أن هذين المؤثرين يؤثران أيضاً على الفترة الزمنية اللازمة لاكتمال أي من الظواهر الفلكية التي يتعلق باكتمالها وقت الصلاة ؛ كغروب الشمس وزوالها عن كبد السماء ؛ ففترة الغروب أو الزوال الكاملين لقرص الشمس تطول بعد ابتدائها كلما ابتعدنا عن خط الاستواء شمالاً أو جنوباً ، وكذلك الفترة الزمنية بين المغرب والعشاء، والفجر والشروق ، ولبيان مقدار التأثير وسببه أعرض الشكل التالي:

يبين لنا الشكل السابق أن محيط الكرة الأرضية عند خط العرض 60 يساوي تقريباً نصف محيط الكرة الأرضية عند خط الاستواء ، فكلما ابتعدنا عن خط الاستواء شمالاً أو جنوباً كلما قل محيط الكرة الأرضية بالتدريج ؛ بسبب كروية الأرض كما هو معلوم ، ومن المعلوم أيضاً أن الأرض تدور دورة كاملة حول محورها كل أربع وعشرين ساعة ، فتقطع الشمس لأجل ذلك حوالي 13.9 كم في الدقيقة عند خط العرض 60، بينما تقطع حوالي 27.8 كم في الدقيقة عند خط الاستواء ، أي أن موعد غروب الشمس مثلاً سيتأخر دقيقة واحدة في غرب مدينة اتساعها 27.8 كم عن موعده في شرقها إن وقعت المدينة على خط الاستواء ، بينما سيكون الفارق الزمني حوالي الدقيقتين لنفس المدينة إن وقعت على خط عرض 60. كل هذه النتائج تنطبق على يومي الاعتدالين الربيعي والخريفي ، أما في بقية الأيام حيث يزداد ميلان محور الأرض نحو الشمس أو عنها ، فستكون هناك فروق زمنية تزيد أو تنقص عن ذلك ؛ الأمر الذي يدعونا أيضاً إلى حساب تأثير اتساع المدينة على مواقيت الصلاة اعتماداً على موقعها الجغرافي واعتماداً على اليوم من العام الذي تُحسب له المواقيت.

هل عرف علماؤنا الموقتون التمكين وكيف مكنوا؟

للبحث صلة